**الترجمة:**
٢.٦٩. ذَٰلِكَ ٱلَّذِي هُوَ لَيْلٌ لِجَمِيعِ ٱلْكَائِنَاتِ، فِيهِ يَسْتَيْقِظُ ٱلرَّجُلُ ضَابِطُ ٱلنَّفْسِ؛ وَذَٰلِكَ ٱلَّذِي تَسْتَيْقِظُ فِيهِ جَمِيعُ ٱلْكَائِنَاتِ، هُوَ لَيْلٌ لِلْعَارِفِ ٱلْمُتأمِّلِ.
**التفسير:**
"ذَٰلِكَ ٱلَّذِي هُوَ لَيْلٌ لِجَمِيعِ ٱلْكَائِنَاتِ" – أُولَٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَتْ حَوَاسُّهُمْ وَعَقْلُهُمْ خَاضِعَةً لِلسَّيْطَرَةِ، وَٱلْمُتَعَلِّقُونَ بِٱلتَّنَعُّمِ، هُمْ جَمِيعًا نِيَامٌ تِجَاهَ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلْعُلْيَا. مَا هِيَ ٱلرَّبُّوبِيَّةُ؟ مَا هِيَ مَعْرِفَةُ ٱلذَّاتِ؟ لِمَاذَا نَتَأَلَّمُ؟ لِمَاذَا هُنَاكَ قَلَقٌ وَحَسْرَةٌ؟ مَاذَا نَفْعَلُ؟ مَا سَيَكُونُ نَتِيجَةُ ذَٰلِكَ؟ – عَدَمُ ٱلنَّظَرِ إِلَى هَٰذَا أَصْلًا هُوَ لَيْلُهُمْ، ظُلْمَتُهُمُ ٱلشَّدِيدَةُ.
وَمَقْصُودُ قَوْلِهِ "لِجَمِيعِ ٱلْكَائِنَاتِ" أَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلْحَيَوَانَاتِ وَٱلطُّيُورَ وَنَحْوَهَا تَبْقَى مُنْهَمِكَةً فِي ٱلْأَكْلِ وَٱلشُّرْبِ طُولَ ٱلنَّهَارِ، فَكَذَٰلِكَ ٱلْإِنْسَانُ ٱلَّذِي يَبْقَى مُنْهَمِكًا لَيْلَ نَهَارِهِ فِي ٱلْأَكْلِ وَٱلشُّرْبِ، وَفِي ٱللَّذَّةِ وَٱلرَّاحَةِ، وَفِي ٱلتَّنَعُّمِ وَٱلْكَنْزِ، وَفِي كَسْبِ ٱلْمَالِ فَقَطْ، مِثْلُ هَٰذَا ٱلْإِنْسَانِ أَيْضًا يُحْسَبُ مِنْ جُمْلَةِ ٱلْحَيَوَانَاتِ وَٱلطُّيُورِ وَنَحْوِهَا. وَٱلسَّبَبُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ٱلْحَيَوَانَاتِ وَٱلطُّيُورِ وَنَحْوِهَا وَبَيْنَ ٱلْإِنْسَانِ فِي ٱلْإِعْرَاضِ عَنِ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلْعُلْيَا. كِلَاهُمَا نَائِمٌ تِجَاهَهَا. غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ثَمَّةَ فَرْقٌ، فَهُوَ هَٰذَا ٱلْقَدْرُ فَقَطْ: فِي ٱلْحَيَوَانَاتِ وَٱلطُّيُورِ وَنَحْوِهَا، لَمْ تَسْتَيْقِظْ قُوَّةُ ٱلتَّمْيِيزِ، لِذَا تَبْقَى مُنْهَمِكَةً فِي ٱلْأَكْلِ وَٱلشُّرْبِ فَقَطْ؛ أَمَّا فِي ٱلْإِنْسَانِ، فَبِفَضْلِ ٱللَّهِ قَدِ ٱسْتَيْقَظَتْ تِلْكَ قُوَّةُ ٱلتَّمْيِيزِ، ٱلَّتِي يُمْكِنُهُ بِهَا أَنْ يُحَقِّقَ خَيْرَهُ ٱلذَّاتِيَّ، وَأَنْ يَخْدُمَ جَمِيعَ ٱلْكَائِنَاتِ، وَأَنْ يَبْلُغَ ٱللَّهَ. لَكِنَّ ٱلْإِنْسَانَ بِإِسَاءَةِ ٱسْتِعْمَالِ تِلْكَ قُوَّةِ ٱلتَّمْيِيزِ، يَنْهَمِكُ فِي جَمْعِ ٱلْأَشْيَاءِ وَٱلتَّنَعُّمِ بِهَا، حَيْثُ يَصِيرُ أَشَدَّ حُزْنًا عَلَى ٱلْعَالَمِ مِنَ ٱلْحَيَوَانَاتِ. لِأَنَّ ٱلْحَيَوَانَاتِ، ٱلْمَسْكِينَةَ، تَأْكُلُ فَقَطْ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهَا، وَلَا تَكْنِزُ؛ أَمَّا ٱلْإِنْسَانُ، فَأَيَّ شَيْءٍ يَحْصُلُ عَلَيْهِ فِي أَيِّ مَكَانٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ نَافِعًا لَهُ أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يَكْنِزُهُ حَتْمًا وَيَخْلُقُ عَقَبَاتٍ فِي طَرِيقِ ٱسْتِعْمَالِ ٱلْآخَرِينَ لَهُ.
"فِيهِ يَسْتَيْقِظُ ٱلرَّجُلُ ضَابِطُ ٱلنَّفْسِ" – فِي ذَٰلِكَ ٱلَّذِي هُوَ لَيْلٌ لِلْإِنْسَانِ، أَيْ فِي ٱلْإِعْرَاضِ عَنِ ٱللَّهِ، وَعَنْ خَيْرِهِ ٱلذَّاتِيِّ، فِي ذَٰلِكَ يَسْتَيْقِظُ ضَابِطُ ٱلنَّفْسِ. وَهُوَ ٱلَّذِي أَخْضَعَ حَوَاسَّهُ وَعَقْلَهُ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِٱلتَّنَعُّمِ وَٱلْكَنْزِ، وَكَانَ هَدَفُهُ ٱلْأَوْحَدُ هُوَ ٱللَّهُ، فَهُوَ ضَابِطُ ٱلنَّفْسِ. مَعْرِفَةُ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلْعُلْيَا، وَطَبِيعَتِهِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ، وَٱلْعَالَمِ عَلَى حَقِيقَتِهِ – ذَٰلِكَ فَقَطْ هُوَ ٱسْتِيقَاظُهُ فِي ٱللَّيْلِ.
"وَذَٰلِكَ ٱلَّذِي تَسْتَيْقِظُ فِيهِ جَمِيعُ ٱلْكَائِنَاتِ" – أُولَٰئِكَ ٱلَّذِينَ هُمْ حَذِرُونَ جِدًّا فِي ٱلتَّنَعُّمِ وَٱلْكَنْزِ، وَيُحَاسِبُونَ عَلَى كُلِّ قُرْشٍ، وَيُنَتبِهُونَ لِكُلِّ شِبْرِ أَرْضٍ؛ وَأَيُّ مَالٍ يَصِلُ إِلَى أَيْدِيهِمْ، سَوَاءٌ بِحَقٍّ أَمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَهُمْ فَرِحُونَ جِدًّا بِهِ، مُفَكِّرِينَ: "عَلَى ٱلْأَقَلِّ قَدْ أَخَذْنَا هَٰذَا ٱلْقَدْرَ مِنَ ٱلرَّأْسْمَالِ، عَلَى ٱلْأَقَلِّ قَدْ رَبِحْنَا هَٰذَا ٱلْقَدْرَ" – وَهَكَذَا يَبْقَوْنَ مُنْهَمِكِينَ فَقَطْ فِي جَمْعِ هَٰذِهِ ٱلتَّنَعُّمَاتِ ٱلدُّنْيَوِيَّةِ ٱلْعَابِرَةِ وَفِي نَيْلِ ٱلْإِكْرَامِ وَٱلْوَقَارِ وَٱلْهَيْبَةِ وَٱلْعَظَمَةِ وَنَحْوِهَا، وَهُمْ حَذِرُونَ جِدًّا فِي هَٰذِهِ – فَهَٰذَا فَقَطْ هُوَ ٱسْتِيقَاظُهُمْ.
"هُوَ لَيْلٌ لِلْعَارِفِ ٱلْمُتَأمِّلِ" – ذَٰلِكَ ٱلَّذِي بِٱلتَّنَعُّمِ بِهِ وَكَنْزِهِ يَعْتَبِرُ ٱلْإِنْسَانُ نَفْسَهُ ذَكِيًّا جِدًّا وَمَاهِرًا وَيَرْضَى بِذَٰلِكَ فَقَطْ، فَكُلُّ ذَٰلِكَ مِثْلُ ٱللَّيْلِ فِي نَظَرِ ٱلْعَارِفِ ٱلْمُتَأمِّلِ ضَابِطِ ٱلنَّفْسِ ٱلْعَارِفِ بِٱلْعَالَمِ وَٱلْحَقِيقَةِ ٱلْعُلْيَا؛ إِنَّهُ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ.
عَلَى سَبِيلِ ٱلْمِثَالِ، يَلْعَبُ ٱلْأَطْفَالُ وَيَتَخَاصَمُونَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَصَيَاتٍ وَحِجَارَةٍ وَقِطَعِ زُجَاجٍ حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ. إِنْ حَصَلُوا عَلَيْهَا فَرِحُوا، مُفَكِّرِينَ: "قَدْ رَبِحْتُ رِبْحًا عَظِيمًا"، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُوا عَلَيْهَا حَزِنُوا، مُفَكِّرِينَ: "قَدْ خَسِرْتُ خَسَارَةً عَظِيمَةً". لَكِنَّ ٱلْحَكِيمَ، ٱلَّذِي لَيْسَ لِلْحَصَيَاتِ وَٱلْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا أَهَمِّيَّةٌ فِي عَقْلِهِ، يَفْهَمُ: "مَا ٱلرِّبْحُ فِي حُصُولِ هَٰذِهِ ٱلْحَصَيَاتِ وَٱلْحِجَارَةِ، وَمَا ٱلْخَسَارَةُ فِي عَدَمِ حُصُولِهَا؟ وَلَوْ حَصَلَ هَٰؤُلَاءِ ٱلْأَطْفَالُ عَلَى ٱلْحَصَيَاتِ وَٱلْحِجَارَةِ، فَإِلَى مَتَى سَتَبْقَى مَعَهُمْ؟". بِٱلْمِثْلِ، فَٱلْإِنْسَانُ ٱلْمُنْهَمِكُ فِي ٱلتَّنَعُّمِ وَٱلْكَنْزِ يَنْهَمِكُ فِي خُصُومَاتٍ وَخِلَافَاتٍ وَكَذِبٍ وَغِشٍّ وَعَدَمِ أَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ أَجْلِ ٱلتَّنَعُّمَاتِ، وَعِنْدَ حُصُولِهَا يَفْرَحُ وَيَحْتَفِلُ بِغِبْطَةٍ، مُفَكِّرًا: "قَدْ رَبِحْنَا رِبْحًا عَظِيمًا". لَكِنَّ ٱلْعَارِفَ ٱلْمُتَأمِّلَ ضَابِطَ ٱلنَّفْسِ ٱلْعَارِفَ بِٱلْعَالَمِ وَٱلْحَقِيقَةِ ٱلْعُلْيَا يَرَى بِوَضُوحٍ: "حُصِلَ عَلَى ٱلتَّنَعُّمَاتِ، وُجِدَ ٱلْإِكْرَامُ وَٱلْوَقَارُ، وُصِلَ إِلَى ٱلرَّاحَةِ وَٱلسُّهُولَةِ، أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، زَيَّنَّا أَنْفُسَنَا جَيِّدًا – فَمَاذَا حُقِّقَ؟ مَاذَا رَبِحَ ٱلْإِنْسَانُ مِنْ هَٰذَا؟ مَاذَا سَيَذْهَبُ مَعَهُ مِنْ هَٰذِهِ؟ إِلَى مَتَى سَيَحْفَظُ هَٰذِهِ ٱلتَّنَعُّمَاتِ مَعَهُ؟ لِكَمْ يَوْمٍ سَتَدُومُ ٱلرَّغْبَةُ ٱلنَّاشِئَةُ مِنْ هَٰذِهِ ٱلتَّنَعُّمَاتِ؟". وَهَكَذَا، فَفِي نَظَرِهِ، إِنَّ ٱسْتِيقَاظَ ٱلْكَائِنَاتِ مِثْلُ ٱللَّيْلِ.
وَذَٰلِكَ ٱلْعَارِفُ ٱلْمُتَأمِّلُ ضَابِطُ ٱلنَّفْسِ يَعْرِفُ ٱللَّهَ حَتْمًا، وَطَبِيعَتَهُ ٱلْحَقِيقِيَّةَ، وَعَاقِبَةَ ٱلْعَالَمِ؛ وَهُوَ أَيْضًا يَعْرِفُ ٱلْأَشْيَاءَ جَيِّدًا جِدًّا – أَيُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ ٱسْتِعْمَالُهُ لِخَيْرِ مَنْ، وَكَمْ سَيَنْتَفِعُ ٱلْآخَرُونَ مِنْ هَٰذَا. وَهُوَ يَسْتَعْمِلُ ٱلْأَشْيَاءَ ٱسْتِعْمَالًا صَحِيحًا مُنَاسِبًا فِي مَوَاضِعِهَا ٱلْمُخْتَلِفَةِ. وَيَسْتَخْدِمُهَا فِي خِدْمَةِ ٱلْآخَرِينَ.
كَمَا أَنَّهُ عِنْدَمَا تَكُونُ هُنَاكَ عَيْبٌ فِي ٱلْعَيْنَيْنِ وَنَنْظُرُ إِلَى ٱلسَّمَاءِ، فَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ فِيهَا أَشْيَاءٌ مِثْلَ خُيُوطِ ٱلْعَنْكَبُوتِ، وَحَتَّى عِنْدَ إِغْلَاقِ ٱلْعَيْنَيْنِ، تَظْهَرُ تِلْكَ ٱلْأَشْيَاءُ مِثْلَ خُيُوطِ ٱلْعَنْكَبُوتِ كَرِيَشِ ٱلطَّاوُوسِ؛ لَكِنْ رُغْمَ ظُهُورِهَا، فَإِنَّ فِي عَقْلِنَا يَبْقَى ٱلْيَقِينُ ٱلرَّاسِخُ أَنَّهُ لَا خُيُوطَ عَنْكَبُوتٍ فِي ٱلسَّمَاءِ. بِٱلْمِثْلِ، فَرُغْمَ أَنَّ ٱلْعَالَمَ يَظْهَرُ عَبْرَ ٱلْحَوَاسِّ وَٱلْأَدَاةِ ٱلدَّاخِلِيَّةِ، فَإِنَّ فِي عَقْلِ ٱلْعَارِفِ ٱلْمُتَأمِّلِ ضَابِطِ ٱلنَّفْسِ يَبْقَى ٱلْيَقِينُ ٱلرَّاسِخُ أَنَّ ٱلْعَالَمَ فِي ٱلْحَقِيقَةِ لَا يَوْجَدُ، إِنَّمَا هُوَ مَجَرَّدُ ظُهُورٍ.
**ٱلرَّابِطُ:** يَظْهَرُ ٱلْعَالَمُ مِثْلَ ٱللَّيْلِ لِلْعَارِفِ ٱلْمُتَأمِّلِ ضَابِطِ ٱلنَّفْسِ. وَعَلَى هَٰذَا، تَنْشَأُ هَٰذِهِ ٱلتَّسَاؤُلَاتُ: أَلَا يَتَعَامَلُ مَعَ ٱلْأَشْيَاءِ ٱلدُّنْيَوِيَّةِ أَصْلًا؟ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَكَيْفَ تَسْتَمِرُّ حَيَاتُهُ؟ وَإِنْ فَعَلَ، فَمَا هِيَ حَالَتُهُ؟ لِلْبَحْثِ فِي هَٰذِهِ ٱلْأُمُورِ، يُنْطَقُ بِٱلْآيَةِ ٱلتَّالِيَةِ.
★🔗