٣.٢١. مَهْمَا يَفْعَلْهُ الْعَظِيمُ يَفْعَلُهُ النَّاسُ أَيْضًا، وَمَهْمَا يَتَّخِذْهُ مِعْيَارًا يَتَّبِعُهُ الْعَالَمُ.
**شَرْحٌ:**
"مَهْمَا يَفْعَلْهُ الْعَظِيمُ يَفْعَلُهُ النَّاسُ أَيْضًا" – الْعَظِيمُ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الْعَالَمَ (الْمَوَادُّ مِثْلَ الْجَسَدِ وَغَيْرِهِ) وَ"الذَّاتَ" (حَقِيقَةَ طَبِيعَتِهِ الْأَصِيلَةَ) فِي جَوْهَرِهَا. وَهُوَ يُدْرِكُ بِطَبِيعَتِهِ أَنَّ مَوَادَّ مِثْلَ الْجَسَدِ وَالْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ وَالذِّهْنِ وَالْمَالِ وَالْأُسْرَةِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا تَنْتَمِي إِلَى الْعَالَمِ، لَا إِلَيْهِ هُوَ. لَا ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْعَظِيمِ لَا يَعْتَبِرُ حَتَّى التَّجَرُّدَ وَالزُّهْدَ وَالْمَحَبَّةَ وَالْمَعْرِفَةَ وَالْفَضَائِلَ وَغَيْرَهَا مِلْكًا لَهُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا مِلْكًا لِلذَّاتِ يُعَزِّزُ الْفَرْدِيَّةَ، الَّتِي هِيَ عَقَبَةٌ فِي طَرِيقِ بُلُوغِ الْحَقِيقَةِ. فَالْأَفْكَارُ مِثْلَ "أَنَا مُتَجَرِّدٌ"، "أَنَا زَاهِدٌ"، "أَنَا خَادِمٌ"، "أَنَا مُتَعَبِّدٌ" وَغَيْرِهَا تُعَزِّزُ الْفَرْدِيَّةَ أَيْضًا وَتَصِيرُ عَقَبَةً فِي بُلُوغِ الْحَقِيقَةِ. فِي الْعَظِيمِ، لَا وُجُودَ أَصْلًا لِـ"الْأَنَا الْفَرْدِيَّةِ" (الْأَنَا الْمُرْتَبِطَةِ بِالْمَادَّةِ)، بَيْنَمَا تَوْجَدُ "الْأَنَا الْجَمَاعِيَّةُ" فَقَطْ لِلْمُعَامَلَاتِ الْعَمَلِيَّةِ، وَهِيَ تَبْقَى مُنْهَمِكَةً فِي خِدْمَةِ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ الْأَنَا أَيْضًا تَنْتَمِي إِلَى الْعَالَمِ (الْبَهْغَفَدْ غِيتَا ٧.٤، ١٣.٥).
جَمِيعُ الْمَوَادِّ الْمُسْتَقَدَمَةِ مِنَ الْعَالَمِ – الْجَسَدُ وَالْمَالُ وَالْأُسْرَةُ وَالْمَنْصِبُ وَالْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَةُ وَغَيْرُهَا – هِيَ مَقْصُودَةٌ فَقَطْ لِاسْتِعْمَالِهَا بِشَكْلٍ مُنَاسِبٍ، أَيْ لِلِانْهَمَاكِ فِي خِدْمَةِ الْآخَرِينَ؛ لَا لِلتَّمَتُّعِ بِهَا أَوْ لِإِثْبَاتِ حَقِّ الْمِلْكِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ. فَمَنْ يَتَمَتَّعُ بِهَا مُعْتَبِرًا إِيَّاهَا مِلْكًا لَهُ وَمِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ يُسَمِّيهِ الرَّبُّ لِصًّا – "إِنَّمَا هُوَ لِصٌّ مَنْ يَتَنَعَّمُ بِعَطَايَا الْآلِهَةِ دُونَ أَنْ يُقَدِّمَهَا لَهَا" (الْبَهْغَفَدْ غِيتَا ٣.١٢). جَمِيعُ هَذِهِ الْمَوَادِّ تَنْتَمِي فَقَطْ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَا تَنْتَمِي بِأَيِّ حَالٍ إِلَى الْفَرْدِ. فِي الْحَقِيقَةِ، لَيْسَ لَنَا أَيَّةُ عَلَاقَةٍ بِهَذِهِ الْمَوَادِّ. وَالْمَوَادُّ الَّتِي تُعْتَبَرُ مِلْكًا لِلْعَظِيمِ (كَوْنَهَا مِنَ الْعَالَمِ) تَنْهَمِكُ تِلْقَائِيًّا وَطَبِيعِيًّا فِي خِدْمَةِ الْعَالَمِ. وَلَدَيْهِ نَزْعَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لِخَيْرِ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ. فَمَشَاعِرُ "الْعَطَاءِ" تُوَلِّدُ الْوَحْدَةَ وَالْمَحَبَّةَ فِي الْمُجْتَمَعِ، بَيْنَمَا مَشَاعِرُ "الْأَخْذِ" تُوَلِّدُ الصِّرَاعَ. مَشَاعِرُ الْعَطَاءِ رَافِعَةٌ، وَمَشَاعِرُ الْأَخْذِ مُحَطِّمَةٌ. وَمَشَاعِرُ الْأَخْذِ تَنْبُعُ فَقَطْ بِاعْتِبَارِ الْجَسَدِ "أَنَا" أَوْ "لِي" أَوْ "مِنْ أَجْلِي". وَلِأَنَّ الْعَظِيمَ لَا يَعْتَبِرُ أَيَّةَ عَلَاقَةٍ بِالْجَسَدِ، فَلَا وُجُودَ لِأَثَرِ مَشَاعِرِ الْأَخْذِ فِيهِ أَصْلًا. لِذَلِكَ، فَكُلُّ فِعْلٍ لَهُ هُوَ فَقَطْ لِخَيْرِ الْآخَرِينَ. فَبِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ أَوْ لَمْسِهِ أَوْ مُحَادَثَتِهِ أَوِ التَّأَمُّلِ فِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَحْصُلُ خَيْرُ النَّاسِ تِلْقَائِيًّا. لَا ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ حَتَّى الْهَوَاءُ الَّذِي يَلْمَسُ جَسَدَهُ وَيَتَدَفَّقُ يَنْفَعُ النَّاسَ.
وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الْعِظَامِ مِنْ نَوْعَيْنِ: (١) نَوْعُ "الْأَفَادْهُوتَ" وَ(٢) نَوْعُ "الْأَتَارْيَا". فَعِظَامُ نَوْعِ الْأَفَادْهُوتَ هُمْ قُدْوَةٌ فَقَطْ لِلْأَفَادْهُوتِ، لَا لِلْعَامَّةِ. أَمَّا عِظَامُ نَوْعِ الْأَتَارْيَا فَهُمْ قُدْوَةٌ لِجَمِيعِ الْبَشَرِيَّةِ. وَهَهُنَا الْوَصْفُ لِعِظَامِ نَوْعِ الْأَتَارْيَا، الَّذِينَ سُلُوكُهُمْ دَائِمًا مُطَابِقٌ لِتَعَالِيمِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ. سَوَاءٌ رَآهُمْ أَحَدٌ أَمْ لَا، فَبِسَبَبِ عَدَمِ وُجُودِ "الْأَنَانِيَّةِ" وَ"الْمِلْكِيَّةِ"، يُؤَدَّى وَاجِبُهُمْ طَبِيعِيًّا مِنْ خِلَالِهِمْ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، زَهْرَةٌ تَفَتَّحَتْ فِي الْغَابَةِ ثُمَّ ذَبُلَتْ بَعْدَ حِينٍ وَجَفَّتْ وَسَقَطَتْ. لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ، مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَشَرَتْ عِطْرَهَا (فِي كُلِّ مَكَانٍ) وَأَزَالَتِ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ. وَكَذَلِكَ، فَمِنَ الْعَظِيمِ (بِسَبَبِ مَشَاعِرِ خَيْرِ الْآخَرِينَ الْمُتَنَاهِيَةِ) يَتَلَقَّى الْعَالَمُ أَجْمَعُ نَفْعًا عَظِيمًا طَبِيعِيًّا، سَوَاءٌ فَهِمَ ذَلِكَ أَحَدٌ أَمْ لَا. وَالسَّبَبُ أَنَّهُ بِسَبَبِ مَحْوِ الْفَرْدِيَّةِ (الْأَنَانِيَّةِ وَالْمِلْكِيَّةِ) يَصِيرُ وَاحِدًا مَعَ تِلْكَ الْقُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الْقَائِمَةِ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا يَحْصُلُ خَيْرُ الْعَالَمِ أَجْمَعَ. وَكَمَا أَنَّ جَمِيعَ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، عَلَى اخْتِلَافِهَا، هِيَ وَاحِدَةٌ (مَثَلًا: عِنْدَمَا يَشْعُرُ أَيُّ عُضْوٍ بِالْأَلَمِ، يَعْتَبِرُهُ الشَّخْصُ أَلَمَهُ هُوَ)، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ كَائِنَاتِ الْعَالَمِ، عَلَى اخْتِلَافِهَا، هِيَ وَاحِدَةٌ. وَكَمَا أَنَّهُ عِنْدَمَا يُشْفَى أَيُّ عُضْوٍ مُصَابٍ (مَرِيضٍ) مِنَ الْجَسَدِ، يَنْتَفِعُ الْجَسَدُ كُلُّهُ، فَكَذَلِكَ بِالشَّخْصِ الَّذِي، بَيْنَمَا هُوَ يَبْقَى فِي حُدُودِهِ، يُؤَدِّي وَاجِبَهُ حَسَبَ الْمَوْضُوعِ وَالزَّمَنِ وَالظَّرْفِ وَغَيْرِهَا الْمُتَاحَةِ، يَنْتَفِعُ الْعَالَمُ أَجْمَعُ تِلْقَائِيًّا. وَتَأْثِيرُ سُلُوكِ الْعَظِيمِ وَكَلَامِهِ (بِسَبَبِ صُدُورِهِمَا عَنِ الْجَسَدِ الْخَشِنِ) يُحَسُّ بِشَكْلٍ خَشِنٍ، وَهُوَ مُحَدَّدٌ. أَمَّا تَأْثِيرُ مَشَاعِرِهِ فَيُحَسُّ بِشَكْلٍ لَطِيفٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَدَّدٍ. وَالسَّبَبُ أَنَّ الْفِعْلَ مُحَدَّدٌ، أَمَّا الْمَشَاعِرُ فَغَيْرُ مُحَدَّدَةٍ. وَالْمَشَاعِرُ الَّتِي يَجْلِبُهَا الْعَظِيمُ إِلَى سُلُوكِهِ لَهَا تَأْثِيرٌ عَمِيقٌ عَلَى النَّاسِ الْآخَرِينَ. وَلِأَنَّهُ يُتْبِعُ سُلُوكَ فَرْنَهَ وَأَشْرَمِهِ وَطَائِفَتِهِ وَغَيْرِهَا بِكَامِلِهِ، فَالْكَلِمَاتُ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا لَهَا أَيْضًا تَأْثِيرٌ عَمِيقٌ عَلَى أَهْلِ الْفَرْنِ وَالْأَشْرَمِ وَالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَغَيْرِهِمْ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْعَظِيمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَدَيْهِ إِحْسَاسٌ بِالْفَاعِلِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لِأَنَّهُ يَبْدُو فَاعِلًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، فَقَدْ اسْتُخْدِمَ الْفِعْلُ "يَفْعَلُ" هَهُنَا. فَمِنْ خِلَالِهِ، تَحْصُلُ الْأَفْعَالُ تِلْقَائِيًّا وَطَبِيعِيًّا لِخَيْرِ الْجَمِيعِ. وَلِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ شَخْصِيَّةَ لَهُ، فَكُلُّ فِعْلٍ لَهُ، صَغِيرًا كَانَ أَمْ كَبِيرًا، يَنْفَعُ النَّاسَ تِلْقَائِيًّا. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ – "لَيْسَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ لِيُؤَدِّيَهُ" (الْبَهْغَفَدْ غِيتَا ٣.١٧) – وَلَيْسَ لَدَيْهِ كِبْرِيَاءُ فِي الْفِعْلِ – "بِلَا إِحْسَاسِ 'أَنَا' وَ'لِي'" (الْبَهْغَفَدْ غِيتَا ٢.٧١) – إِلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ يُؤَدَّى تِلْقَائِيًّا وَطَبِيعِيًّا وَكَامِلًا مِنْ خِلَالِهِ. وَهَكَذَا، فَمِنْ خِلَالِهِ، يَجْتَمِعُ النَّاسُ طَبِيعِيًّا.
**نُكْتَةٌ هَامَّةٌ:**
كَثِيرًا مَا يُلَاحَظُ أَنَّهُ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ أَوْ طَائِفَةٍ أَوْ طَبَقَةٍ أَوْ فَرْنٍ أَوْ أَشْرَمٍ وَغَيْرِهَا، يَسْمُونَ أُولَئِكَ الرِّجَالَ عِظَامًا وَيَعْتَبِرُهُمُ النَّاسُ عِظَامًا وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ بِإِجْلَالٍ، وَمَهْمَا كَانَ سُلُوكُهُمْ الَّذِي يَتَّبِعُونَهُ، يَبْدَأُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ أَوِ الطَّائِفَةِ أَوِ الطَّبَقَةِ وَغَيْرِهَا بِاتِّبَاعِ نَفْسِ ذَلِكَ السُّلُوكِ. وَبِسَبَبِ أَهَمِّيَّةِ الْمَالِ وَالْمَنْصِبِ وَالطَّمَعِ فِي الْقَلْبِ، يَعْتَبِرُ النَّاسُ أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ (أَصْحَابَ الْمَلَايِينِ وَالْمِلْيَارَاتِ) وَالْمَنَاصِبِ الْعَالِيَةِ (الْقَادَةِ وَالْوُزَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ) عِظَامًا وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ بِإِجْلَالٍ عَظِيمٍ. وَأُولَئِكَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ الْمَوَادُّ الْمَادِّيَّةُ (الْمَالُ وَالْمَنْصِبُ وَغَيْرُهَا) هَامَّةٌ لَيْسُوا عِظَامًا حَقِيقِيِّينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ حَتَّى التَّعَرُّفَ عَلَى شَخْصٍ عَظِيمٍ. وَمَنْ يَعْتَبِرُونَهُ عَظِيمًا لَيْسَ عَظِيمًا حَقِيقِيًّا أَيْضًا. إِذَا كَانَ الْمَالُ مُحْتَرَمًا جِدًّا فِي قُلُوبِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ فَقَطْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ مَالًا أَكْثَرَ، كَمَا أَنَّ اللِّصَّ يُؤَثِّرُ فِيهِ فَقَطْ زَعِيمُ اللُّصُوصِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عِظَامًا حَقِيقِيِّينَ، إِلَّا أَنَّهُ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَبِرُونَهُمْ عِظَامًا، فَإِنَّ سُلُوكَ أُولَئِكَ الْمَالِكِينَ وَالْمَسْؤُولِينَ ذَوِي الْمَنَاصِبِ الْعَالِيَةِ يَنْتَشِرُ تِلْقَائِيًّا فِي الْمُجْتَمَعِ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أُولَئِكَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يُعْتَبَرُونَ عِظَامًا بِسَبَبِ الْمَالِ، مَهْمَا كَانَتِ الْوَسَائِلُ الَّتِي يَسْتَخْدِمُونَهَا لِكَسْبِ الْمَالِ وَتَرْكِيزِهِ، تَنْتَشِرُ تِلْكَ الْوَسَائِلُ نَفْسُهَا تِلْقَائِيًّا بَيْنَ النَّاسِ، لَا يَهُمُّ كَمْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَسَائِلُ سِرِّيَّةً! وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي أَنَّ الْآثَامَ مِثْلَ الْكَذِبِ وَالْغِشِّ وَعَدَمِ الْأَمَانَةِ وَالْاحْتِيَالِ وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا تَنْتَشِرُ تِلْقَائِيًّا فِي الْمُجْتَمَعِ دُونَ أَنْ تُدَرَّسَ فِي أَيِّ مَدْرَسَةٍ. وَهُوَ أَمْرٌ مُحْزِنٌ وَمُدْهِشٌ أَنَّ النَّاسَ حَالِيًّا يَعْتَبِرُونَ صَاحِبَ الْمِلْيُونِ عَظِيمًا، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ مَنْ يُرَدِّدُ اسْمَ الرَّبِّ مِائَةَ أَلْفِ مَرَّةٍ يَوْمِيًّا عَظِيمًا. وَلَا يَعْتَبِرُونَ أَيْضًا أَنَّهُ عِنْدَمَا يَمُوتُ صَاحِبُ الْمِلْيُونِ، لَنْ تَذْهَبَ مَعَهُ وَلَا فِلْسٌ وَاحِدٌ، بَيْنَمَا عِنْدَمَا يَمُوتُ مَنْ يُرَدِّدُ اسْمَ الرَّبِّ، سَتَذْهَبُ مَعَهُ كُلُّ الثَّرْوَةِ عَلَى هَيْئَةِ اسْمِ الرَّبِّ، وَلَنْ يَتْبَقَّى وَلاَ اسْمٌ وَاحِدٌ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ! جَمِيعُ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُعْتَبَرُونَ رُؤَسَاءَ فِي مَكَانِهِمْ أَوْ مَجَالِهِمْ – الْمُعَلِّمُونَ وَالْمُحَاضِرُونَ وَالْأَتَارْيَا وَالْغُورُو وَالْقَادَةُ وَالْحُكَّامُ وَالْمَهَانْتِ وَالْوَاعِظُونَ وَالْكَهَنَةُ وَغَيْرُهُمْ – جَمِيعُهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْحِرْصِ الشَّدِيدِ فِي سُلُوكِهِمْ لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ تَأْثِيرٌ حَسَنٌ عَلَى الْآخَرِينَ. وَكَذَلِكَ، فَرَأْسُ الْأُسْرَةِ أَيْضًا يَحْتَاجُ إِلَى الْحِرْصِ التَّامِّ فِي سُلُوكِهِ. وَالسَّبَبُ أَنَّ أَعْيُنَ الْجَمِيعِ عَلَى الشَّخْصِ الرَّأْسِ. وَالشَّخْصُ الرَّأْسُ لَهُ مَسْؤُولِيَّةٌ خَاصَّةٌ، مِثْلَ سَائِقِ قِطَارٍ. فَالْأَشْخَاصُ الْآخَرُونَ الْجَالِسُونَ فِي الْقِطَارِ يَسْتَطِيعُونَ حَتَّى النَّوْمَ، أَمَّا السَّائِقُ فَيَجِبُ أَنْ يَبْقَى مُسْتَيْقِظًا دَائِمًا. حَتَّى إِنَّ الْإِهْمَالَ الْيَسِيرَ مِنْ جَانِبِهِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى حَادِثٍ. لِذَلِكَ، جَمِيعُ الرِّجَالِ الْمُعْتَبَرِينَ عِظَامًا فِي مَجَالَاتِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْعَالَمِ يَحْتَاجُونَ إِلَى إِعْطَاءِ اهْتِمَامٍ خَاصٍّ لِسُلُوكِهِمْ.
"وَمَهْمَا يَتَّخِذْهُ مِعْيَارًا يَتَّبِعُهُ الْعَالَمُ" – فَالْكَلِمَاتُ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا رَجُلٌ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ عُيُوبٌ مِثْلَ الرَّغْبَةِ وَالْأَنَانِيَّةِ وَالتَّعَلُّقِ وَالْمَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْمُحَابَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ لَدَيْهِ إِحْسَاسٌ بِأَهَمِّيَّةِ الْمَوَادِّ الْفَانِيَةِ أَوْ أَيُّ مَشَاعِرَ لِلْأَخْذِ، تُؤَثِّرُ تِلْقَائِيًّا فِي الْآخَرِينَ، وَيَبْدَأُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ بِالْعَمَلِ حَسَبَ كَلِمَاتِهِ.
وَهَهُنَا قَدْ يَثُورُ شَكٌّ: إِذْ قَدْ ذُكِرَ السُّلُوكُ، فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى ذِكْرِ اتِّخَاذِ الْمِعْيَارِ؟ وَإِذْ ذُكِرَ اتِّخَاذُ الْمِعْيَارِ، فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى ذِكْرِ السُّلُوكِ؟ وَالْحَلُّ هُوَ هَذَا: عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ السُّلُوكَ هُوَ الْأَسَاسُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَنْ يُمَارِسَ مَشَاعِرَ جَمِيعِ الْفَرْنِ وَالْأَشْرَمِ وَالطَّائِفَةِ وَغَيْرِهَا. لِذَلِكَ، فَالْعَظِيمُ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ يُمَارِسُ السُّلُوكَ، بِجَمِيعِ جَوَانِبِهِ، حَسَبَ الْفَرْنِ وَالْأَشْرَمِ وَغَيْرِهِمَا الَّذِي هُوَ فِيهِ بِنَفْسِهِ. وَلِأَهْلِ الْفَرْنِ وَالْأَشْرَمِ وَالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ أَيْضًا بِكَلِمَاتِهِ، بِاسْتِشْهَادٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ وَالتَّارِيخِ وَغَيْرِهِمَا، أَنَّ عَدَمَ فِعْلِ أَيِّ شَيْءٍ لِلنَّفْسِ، بَلْ أَدَاءَ الْوَاجِبَاتِ الْخَاصَّةِ بِكُلٍّ (حَسَبَ الْفَرْنِ وَالْأَشْرَمِ وَالطَّائِفَةِ وَغَيْرِهَا) بِمَشَاعِرِ خَيْرِ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ هُوَ الْوَسِيلَةُ السَّهْلَةُ وَالْعُلْيَا لِلْخَيْرِ (الْبَهْغَفَدْ غِيتَا ١٨.٤٥). وَبِتَأْثِيرِ كَلِمَاتِهِ، يَبْدَأُ أَهْلُ الْفَرْنِ وَالْأَشْرَمِ وَالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَغَيْرِهِمْ بِأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ كَمَا أَخْبَرَهُمْ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ مَجَالَ السُّلُوكِ مُحَدَّدٌ وَمَجَالُ اتِّخَاذِ الْمِعْيَارِ (الْكَلَامِ) وَاسِعٌ، إِلَّا أَنَّهُ بِاسْتِعْمَالِ خَمْسِ كَلِمَاتٍ – 'مَهْمَا'، 'مَهْمَا'، 'ذَلِكَ'، 'ذَلِكَ'، وَ(خَاصَّةً) 'فَقَطْ' – بِالنِّسْبَةِ لِسُلُوكِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ قَصْدَ الرَّبِّ هُوَ أَنَّ تَأْثِيرَ سُلُوكِهِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ أَضْعَافٌ خَمْسَةٌ (أَكْبَرُ). وَبِاسْتِعْمَالِ كَلِمَتَيْنِ – 'مَهْمَا' وَ'ذَلِكَ' – بِالنِّسْبَةِ لِاتِّخَاذِ الْمِعْيَارِ، فَالْقَصْدُ أَنَّ تَأْثِيرَ اتِّخَاذِ الْمِعْيَارِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ هُوَ ضِعْفَانِ فَقَطْ (أَقَلُّ نِسْبِيًّا). وَلِهَذَا، فَقَدْ أَكَّدَ الرَّبُّ خَاصَّةً عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَحَدَّدَةِ لِخَيْرِ الْعَالَمِ فِي الْآيَةِ الْعِشْرِينَ. إِذَا لَمْ يُمَارِسِ الْعَظِيمُ السُّلُوكَ حَسَبَ فَرْنِهِ وَأَشْرَمِهِ وَغَيْرِهِمَا هُوَ نَفْسُهُ، وَاتَّخَذَ الْمِعْيَارَ فَقَطْ، فَحِينَئِذٍ لَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ خَاصٌّ عَلَى النَّاسِ. قَدْ يَشْعُرُ النَّاسُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هِيَ فَقَطْ لِلْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ نَفْسَهُ لَيْسَ يُؤَدِّي وَاجِبَهُ هُوَ. إِذَا ثَارَ مِثْلُ هَذَا الشُّعُورِ، فَثَمَّةَ إِمْكَانِيَّةٌ لِأَنْ يَتَطَوَّرَ عِنْدَ النَّاسِ عَدَمُ الْإِيمَانِ وَعَدَمُ الِاهْتِمَامِ نَحْوَ وَاجِبِهِمْ. لِذَلِكَ، فَالْعَظِيمُ يَنْفَعُ النَّاسَ بِإِشْغَالِهِمْ فِي أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ بِطَرِيقَيْنِ – بِالْمُ
★🔗